الخطاب الإسلامي الذي نريد
بقلم مدير المدرسة / عبدالهادي عايض القرني

على طريق البحث عن حلول لأدواء وعلل المسلمين التي عمت وطمت في هذا العصر، يأتي الحديث عن الخطاب الاسلامي وضرورة تغييره بعد أن تحول في معظمه إلى خطاب عاطفي يجنح إما الى التشدد والغلو أو الى الإفراط والتساهل... وعندما نقول بالتغيير ينبغي أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونؤكد أن هذ التغيير إنما جاء استجابة لحاجات الأمة والمتغيرات الدولية والأمل في إحياء الدور الطليعي الذى غاب أو غُيب عن أمتنا العربية والإسلامية.
خطابنا الاسلامى المعاصر كان في حاجة الى تغيير منذ فترة، فقد ابتعد هذا الخطاب مسافات طويلة عن الخطاب الدعوي الذى كان سائداً في القرون الخيرة، ذلك الخطاب الوسط والمعتدل الذى يتميز بالحكمة والرفق والجدال بالتى هي أحسن.. لقد أصبحنا واقعين بين نهجين من الخطاب الاسلامى كلاهما مُرّ:
@ الأول يعتمد نبرة التيئيس والتفشيل لكل مشروعات الأمة النهضوية الفردية والجماعية، وهذا النهج لا يرى الا المناطق الظلامية في واقع الأمة.
@ والنهج الآخر من الخطاب الإسلامي هو الخطاب الحماسي المتشدد وغير المنضبط بضوابط شرعية وعقلية.
وكلا النهجين أو الخطابين عاطفي لا يرجى منه خير، فالأمة في أمسّ الحاجة الآن الى من يأخذ بيدها الى طريق النهوض والخروج من الأنفاق المظلمة العديدة التي دخلت أو أدخلت فيها، وليس أقدر على ذلك من العلماء والدعاة والمفكرين، فإذا كان خطاب هؤلاء لا يعرف سوى لغة اليأس والتثبيط وجلد الذات فمن للأمة بعد الله؟!
كذلك فإن الخطاب الحماسي المعتمد على قراءات خاطئة للواقع والحال، ولَّد لنا عقولاً مريضة وأفكاراً شاذة ترى الحق باطلاً والباطل حقاً؛ والدليل عودة الخوارج بفكرهم وسلوكهم متمثلة في بعض الشباب الذين يكفِّرون مجتمعاتهم وأمراءهم وعلماءهم، ويحملون السلاح باسم الاسلام والجهاد لقتل الأبرياء وإراقة الدماء وهدم الممتلكات... ولم يحدث ذلك وغيره من المصائب الا في ظل سيطرة الخطاب العاطفي والمتشدد على كثير من المنابر الدعوية والإعلامية.
نريد من الخطاب الإسلامي أن يدلنا على الطريق الحق الواضح بدلاً من هذه الطرق والسبل والدروب التى ضاعت فيها الأمة... نريد من الدعاة والعلماء أن يهتموا بالحياة الدنيا في خطابهم وألا يقتصر هذا الخطاب على ذكر الموت والآخرة فالمسلمون طالبون للآخرة ولا يكرهون الموت، لكنهم أيضا يحبون الحياة وقد أمروا باعمار الأرض لأنهم خلفاء الله فيها؛ فهل يعقل أن يظل حديثنا مقتصراً على ماضينا وأمجادنا، وأن يقتصر عملنا على طلب الآخرة وأن نترك الأرض والحياة لغيرنا يتقوّون فيها ويعمرونها، ونحن نزداد ضعفاً على ضعف وهواناً على هوان؟
نريد أيضا من خطابنا الإسلامي أن ينشغل بالقضايا الكلية، وألا يركز على الجزئيات... نريد خطاباً عقليا ومنطقيا، لا خطاباً عاطفياً يدغدغ المشاعر ويستجيب لصيحات وآهات المصفقين وحملة المباخر... نريد من الذين يعتلون منابرنا أن يقرأوا النصوص الفقهية قراءة واعية، وألا يعتمدوا على الفتاوى الشاذة الضالة والمضلة... نريد أن يتصدر الحديثَ والدعوةَ من يجيد فقه الواقع الى جانب العلم الشرعي الذى يحمى من الوقوع في المزالق... الخطاب الذي نريد من مواصفاته ألا يكون منكفئاً على الذات ومتجاهلاً الوجود الإنساني الآخر الذي يشاركنا الحياة والعيش وتبادل المصالح.
نريد خطاباً إسلامياً معتدلاً لا غلوّ فيه ولا تشدد ولا إفراط ولا تساهل، بل لا تنازل... نريد التيسير على المسلمين وعدم التضييق عليهم فيما وسعه الشارع الحكيم ولا يزين هذا الخطابَ ويجمّله وينضّر وجه صاحبه إلا الرفق واللين والحكمة والجدال الحسن في خطابنا مع أنفسنا ومع الآخرين.