|
عبدالله بن مسعود - أول صادح بالقرآن |
|
* لقد انبهر عبدالله بن مسعود حين رأى
عبدالله الصالح ورسوله الأمين يدعو ربه، ويمسح ضرعا لا عهد له باللبن بعد،
فهذا هو يعطي من خير الله ورزقه لبنا خالصا سائغا للشاربين..!!وما كان يدري
يومها، أنه انما يشاهد أهون المعجزات وأقلها شأنا، وأنه عما قريب سيشهد من
هذا الرسول الكريم معجزات تهز الدنيا، وتلمؤها هدى ونور..بل ما كان يدري
يومها، أنه وهو ذلك الغلام الفقير الضعيف الأجير الذي يرعى غنم عقبة بن
معيط، سيكون احدى هذه المعجزات يوم يخلق الاسلام منه منه مؤمنا بايمانه
كبرياء قريش، ويقهر جبروت ساداتها..فيذهب وهو الذي لم يكن يجرؤ أن يمر
بمجلس فيه أحد أشراف مكة الا مطرق الرأس حثيث الخطى.. نقول: يذهب بعد
اسلامه الى مجمع الأشراف عند الكعبة، وكل سادات قريش وزعمائها هنالك جالسون
فيقف على رؤوسهم. ويرفع صوته الحلو المثير بقرآن الله:(بسم الله الرحمن
الرحيم، الرحمن، علّم القرآن، خلق الانسان، علّمه البيان، الشمس والقمر
بحسبان، والنجم والشجر يسجدان).ثم يواصل قراءته. وزعماء قريش مشدوهون، لا
يصدقون أعينهم التي ترى.. ولا آذانهم التي تسمع.. ولا يتصورون أن هذا الذي
يتحدى بأسهم.. وكبريائهم..انما هو أجير واحد منهم، وراعي غنم لشريف من
شرفائهم.. عبدالله بن مسعود الفقير المغمور..!!ولندع شاهد عيان يصف لنا ذلك
المشهد المثير..انه الزبير رضي الله عنه يقول: * لم تكن العين لتقع عليه في زحام
الحياة..بل ولا بعيدا عن الزحام..!! فلا مكان له
بين الذين أوتوا بسطة من المال، ولا بين الذين أوتوا بسطة في الجسم، ولا
بين الذين أوتوا حظا من الجاه..فهو من المال معدم.. وهو في الجسم ناحل،
ضامر.. وهو في الجاه مغمور..ولكن الاسلام يمنحه مكان الفقر نصيبا رابيا
وحظوظا وافية من خزائن كسرى وكنوز قيصر..!ويمنحه مكان ضمور جسمه وضعف
بنيانه ارادة تقهر الجبارين، وتسهم في تغيير مصير التاريخ..!ويمنحه مكان
انزوائه وضياعه، خلودا، وعلما وشرفا تجعله في الصدارة بين أعلام
التاريخ..!!ولقد صدقت فيه نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال له: "
انك غلام معلّم" فقد علمه ربه، حتى صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن
جميعا.يقول على نفسه:" أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه زسلم سبعين
سورة، لا ينازعني فيها أحد"..ولكأنما أراد الله مثوبته حين خاطر بحياته في
سبيل ان يجهر بالقرآن ويذيعه في كل مكان بمكة أثناء سنوات الاضطهاد والعذاب
فأعطاه سبحانه موهبة الأداء الرائع في تلاوته، والفهم السديد في ادراك
معانيه..ولقد كان رسول الله يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن مسعود فيقول:"
تمسّكوا بعهد ابن أم عبد".ويوصيهم بأن يحاكوا قراءته،ويتعلموا منه كيف يتلو
القرآن.يقول عليه السلام:" من أحب أن يسمع القرآن عصّا كما أنزل فليسمعه من
ابن أم عبد".." من أحب أن يقرأ القرآن غصا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن
أم عبد"..!!ولطالما كان يطيب لرسول الله عليه السلام أن يستمع للقرآن من فم
ابن مسعود..دعاه يوما الرسول، وقال له:" اقرأ عليّ يا عبد الله"..قال عبد
الله:" أقرأ عليك، وعليك أنزل يا رسول الله"؟!فقال له الرسول:"اني أحب أن
أسمعه من غيري"..فأخذ ابن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى وصل الى قوله
تعالى:(فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا..يومئذ يود
الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض..ولا يكتمون الله
حديثا)..فغلب البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاضت عيناه
بالدموع، وأشار بيده الى ابن مسعود:أن" حسبك.. حسبك يا ابن مسعود"..وتحدث
هو بنعمة الله فقال:" والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا أعلم في أي شيء
نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطى اليه الابل أعلم
مني بكتاب الله لأتيته وما أنا بخيركم"!!ولقد شهد له بهذا السبق أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم.قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: ** لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ولا في حضر.. ولقد شهد المشاهد كلها جميعها.. وكان له يوم بدر شأن مذكور مع أب جهل الذي حصدته سيوف المسلمين في ذلك اليوم الجليل.. وعرف خلفاء الرسول وأصحابه له قدره.. فولاه أمير المؤمنين عمر على بيت المال في الكوفة. وقال لأهلها حين أرسله اليهم:" اني والله الذي لا اله الا هو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا".ولقد أحبه أهل الكوفة حبا جما لم يظفر بمثله أحد قبله، ولا أحد مثله..واجماع أهل الكوفة على حب انسان، أمر يشبه المعجزات..ذلك أنهم أهل تمرّد ثورة، لا يصبرون على طعام واحد..!! ولا يطيقون الهدوء والسلام..ولقد بلغ من حبهم اياه أن أطاحوا به حين أراد الخليفةعثمان رضي الله عنه عزله عن الكوفة وقالوا له:" أقم معنا ولا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل اليك شيء تكرهه منه"..ولكن ابن مسعود أجابهم بكلمات تصوّر عظمة نفسه وتقاه، اذ قال لهم:" ان له عليّ الطاعة، وانها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن يكون أول من يفتح أبوابها"..!!ان هذا الموقف الجليل الورع يصلنا بموقف ابن مسعود من الخلبيفةعثمان.. فلقد حدث بينهما حوار وخلاف تفاقما حتى حجب عن عبدالله راتبه ومعاشه من بيت الامل،، ومع ذلك لم يقل في عثمان رضي الله عنه كلمة سوء واحدة..بل وقف موقف المدافع والمحذر حين رأى التذمّر في عهد عثمان يتحوّل الى ثورة..وحين ترامى الى مسمعه محاولات اغتيال عثمان، قال كلمته المأثورة:" لئن قتلوه، لا يستخلفون بعده مثله".ويقولبعض أصحاب ابن مسعود:" ما سمعت ابن مسعود يقول في عثمان سبّة قط".. ** ولقد آتاه الله الحكمة مثلما أعطاه التقوى.وكان يملك القدرة على رؤية الأعماق، والتعبير عنها في أناقة وسداد..لنستمع له مثلا وهو يلخصحياة عمر العظيمة في تركيزباهر فيقول:" كان اسلامه فتحا.. وكانت هجرته نصرا.. وكانت امارته رحمة..".ويتحدث عما نسميه اليوم نسبية الزمان فيقول:" ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار.. نور السموات والأرض من نور وجهه"..!!ويتحدث عن العمل وأهميته في رفع المستوى الأدبي لصاحبه، فيقول:" اني لأمقت الرجل، اذ أراه فارغا.. ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة"..ومن كلماته الجامعة:" خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، وشرّ المكاسب الربا، وشرّ المأكل مال اليتيم، ومن يعف الله عنه، ومن يغفر الله له".. ** هذا هو عبدالله بن مسعود صاحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم.وهذه ومضة من حياة عظيمة مستبسلة، عاشها صاحبها في
سبيل الله، ورسوله ودينه..هذا هو الرجل الذي كان جسمه في حجم
العصفور..!!نحيف، قصير، يكاد الجالس يوازيه طولا وهو قائم..له ساقان
ناحلتان دقيقتان.. صعد بهما يوما أعلى شجرة يجتني منها أراكا لرسول اله صلى
الله عليه وسلم.. فرأى أصحاب النبي دقتهما فضحكوا، فقال عليه الصلاة
والسلام:" تضحكون من ساقيْ ابن مسعود، لهما أثقل في الميزان عند الله من
جبل أحد"..!!أجل هذا هو الفقير الأجير، الناحل الوهنان.. الذي جعل منه
ايمانه ويقينه اماما من أئمة الخير والهدى والنور..ولقد حظي من توفيق الله
ومن نعمته ما جعله أحد العشرة الأوائل بين أصحاب الرسول صلى الله عليه
وسلم.. أولئك الذين بشروا وهم على ظهر الأرض برضوان الله وجنّته.. ** تلك أمنيته الوحيد التي كان يرجوها في دنياه.وهي لا تمت بسبب الى ما يتهافت الناس عليه من مجد وثراء، ومنصب وجاه..ذلك أنها أمنية رجل كبير القلب، عظيم النفس، وثيق اليقين.. رجل هداه الله، وربّاه الرسول، وقاده القرآن..!!
|